السيد كمال الحيدري

48

فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)

وهذه الحقيقة تذعن لها العقول ويشهد لها نظام الكون بكلّ مكوّناته وما فيه من التناسق المدهش بين أجزائه الذي يكشف عن قانون واحد عامّ في الإيجاد والتدبير ، وقد بسط القول فيها الطباطبائي في تفسير قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلَا تَذَكَّرُونَ « 1 » حيث قال : « التدبير هو الإتيان بالشئ عقيب الشئ ويراد به ترتيب الأشياء المتعدّدة المختلفة ونظمها بوضع كلّ شئ في موضعه الخاصّ به بحيث يلحق بكلّ منها ما يقصد به من الغرض والفائدة ولا يختلّ الحال بتلاشى الأصل وتفاسد الأجزاء وتزاحمها ؛ يقال : دبّر أمر البيت أي نظّم أموره والتصرّفات العائدة إليه بحيث أدّى إلى صلاح شأنه وتمتّع أهله بالمطلوب من فوائده . فتدبير أمر العالم نظم أجزائه نظماً جيّداً متقناً بحيث يتوجّه به كلّ شئ إلى غايته المقصودة منه ، وهى آخر ما يمكنه من الكمال الخاصّ به ، ومنتهى ما ينساق إليه من الأجل المسمّى وتدبير الكلّ أجراء النظام العام العالمي بحيث يتوجّه إلى غايته الكلّية وهى الرجوع إلى الله وظهور الآخرة بعد الدنيا » « 2 » ( . المقدّمة الثانية : أنّ الخالق عادل حكيم وله غاية في فعله وهذه المقدّمة تقدّمت أيضاً في أبحاث العدل الإلهى ، والمراد من عدله سبحانه أنّه لا يهمل فعلًا تحتمه المصلحة ، ولا يصدر قبيحاً تمنعه الحكمة ؛ لأنّ ذلك لا يكون إلّا لحاجة تضطرّ الفاعل إلى المخالفة ، وقد تنزَّه الباري عن الحاجة ؛ لغناه ، لأنّ الفعل الخالي من المصلحة يكون منشأ صدوره إمّا

--> ( 1 ) يونس : 3 . ( 2 ) الميزان ، مصدر سابق : ج 11 ، ص 290 289 .